السعيد شنوقة

204

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

مرتكبها فاسقا ، له منزلة بين الكفر والإيمان ، ولم يقبلوا رأي الخوارج الحاكم بالكفر لمرتكب الكبيرة سوى « النجدات » « 1 » ولا برأي المرجئة الذي حكم بالإيمان ولا بحكم أهل السنة الذين ربطوه بالإيمان الذي اعتقدوه قولا واعتقادا وعملا بالأركان ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ؛ فمن أتى كبيرة عند السنيين سموه مؤمنا فاسقا بكبيرته وفي الآخرة تحت مشيئة الله ، إن شاء سبحانه غفر له وأدخله الجنة لأول مرة ، وإن شاء عذبه بحسب ذنوبه ومآله بعدها الجنة « 2 » وهو - كما ترى - مخالف لرأي المعتزلة الذين رأوا الإيمان قولا وعملا واعتقادا ، ولكن لا يزيد ولا ينقص ، ويسمى مرتكب الكبيرة كما بيّنا من قبل فاسقا مخلدا في النار ، ولا ينال الشفاعة ولا غيرها . بيد أن هذا مشروط عندهم بعدم التوبة . ولم يجد المعتزلة في سياق هذا الخلاف إلا أن يقرّوا ما ذهبوا إليه ، عند أهم مفسريهم الزمخشري الذي أول قوله عز وجل : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] قائلا : « قد ثبت أن الله عز وجل يغفر الشرك لمن تاب منه وأنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة ؛ فما وجه قوله تعالى السابق ؟ قال : الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعا موجهين إلى قوله تعالى : لِمَنْ يَشاءُ كأنه قيل : إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك ، ويغفر لمن يشاء دون الشرك على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب » « 3 » ؛ فقد علق الزمخشري في هذا التأويل بين الجار والمجرور في قوله تعالى : لِمَنْ يَشاءُ ، وبين الفعلين السابقين المنفي والمثبت لينزّل الآية على معتقدهم ؛ فمن أشرك ولم يتب لم يغفر له الله تعالى أما ما دون ذلك من الكبائر فمن اقترفها وتاب فإن الله يغفر له . لهذا جاء قوله : « إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك ويغفر لمن يشاء ما دون ذلك » أي

--> ( 1 ) أصحاب نجدة بن عامر الحروري نسبة إلى حاروراء . انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 174 . وكذا ج 2 ، ص 167 - ، 168 والبغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 73 - 87 وما بعدها . ( 2 ) انظر المسعودي ، مروج الذهب ، ج 3 ، ص 277 ، والقاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 80 - 81 . وكذا ابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 3 ، ص 273 ، ومحمد صديق حسن خان ، قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر ، ص 62 ، هامش رقم ، 100 وكذا زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 10 ، ود . سعيد مراد ، مدرسة البصرة الاعتزالية ، ص 135 وما بعدها . ( 3 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 532 .